أبي حيان الأندلسي

186

البحر المحيط في التفسير

الصواب أن يجيز ، ثم مادّة ل‌يك لم يوجد منها تركيب ، فهي مادّة مهملة . كما أهملوا مادّة خ ذ ج منقوطا ، وهذه نزغة اعتزالية ، يعتقدون أن بعض القراءة بالرأي لا بالرواية ، وهذه قراءة متواترة لا يمكن الطعن فيها ، ويقرب إنكارها من الردّة ، والعياذ باللّه . أما نافع ، فقرأ على سبعين من التابعين ، وهم عرب فصحاء ، ثم هي قراءة أهل المدينة قاطبة . وأما ابن كثير ، فقرأ على سادة التابعين ممن كان بمكة ، كمجاهد وغيره ، وقد قرأ عليه إمام البصرة أبو عمرو بن العلاء ، وسأله بعض العلماء : أقرأت على ابن كثير ؟ قال : نعم ، ختمت على ابن كثير بعد ما ختمت على مجاهد ، وكان ابن كثير أعلم من مجاهد باللغة . قال أبو عمرو : ولم يكن بين القراءتين كبير يعني خلافا . وأما ابن عامر فهو إمام أهل الشام ، وهو عربي قح ، قد سبق اللحن ، أخذ عن عثمان ، وعن أبي الدرداء وغيرهما . فهذه أمصار ثلاثة اجتمعت على هذه القراءة الحرمان مكة والمدينة والشام ، وأما كون هذه المادّة مفقودة في لسان العرب ، فإن صح ذلك كانت الكلمة عجمية ، ومواد كلام العجم مخالفة في كثير مواد كلام العرب ، فيكون قد اجتمع على منع صرفها العلمية والعجمة والتأنيث . وتقدم مدلول الأيكة في الحجر ، وكان شعيب عليه السلام من أهل مدين ، فلذلك جاء : وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً * « 1 » . ولم يكن من أهل الأيكة ، فلذلك قال هنا : إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ . ومن غريب النقل ما روي عن ابن عباس ، أن أَصْحابُ الْأَيْكَةِ هم أصحاب مدين ، وعن غيره ، أن أَصْحابُ الْأَيْكَةِ هم أهل البادية ، وأصحاب مدين هم الحاضرة . وروي في الحديث : « أن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة ، أمرهم بإيفاء الكيل ، وهو الواجب ، ونهاهم عن الإخسار ، وهو التطفيف ، ولم يذكر الزيادة على الواجب ، لأن النفوس قد تشح بذلك فمن فعله فقد أحسن ، ومن تركه فلا حرج » . وتقدم تفسير القسطاس في سورة الإسراء . وقال الزمخشري : إن كان من القسط ، وهو العدل ، وجعلت العين مكررة ، فوزنه فعلاء ، وإلا فهو رباعي . انتهى . ولو تكرر ما يماثل العين في النطق ، لم يكن عند البصريين إلا رباعيا . وقال ابن عطية : هو مبالغة من القسط . انتهى . والظاهر أن قوله : وَزِنُوا ، هو أمر بالوزن ، إذ عادل قوله : أَوْفُوا الْكَيْلَ ، فشمل ما يكال وما يوزن مما هو معتاد فيه ذلك . وقال ابن عباس ومجاهد : معناه عدلوا أموركم كلها بميزان العدل الذي جعله اللّه لعباده . وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ : الجملة والتي تليها تقدم الكلام عليهما . ولما تقدم

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 85 ، وسورة هود : 11 / 84 ، وسورة العنكبوت : 29 / 36 .